عبد الملك الثعالبي النيسابوري
4
يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر
حدّا لا بأس له من الكثرة والغنى والتنوع ، فقال ابن الأنباري في نزهة الألبّاء عنه : « كان أديبا فاضلا فصيحا بليغا ، صنّف كتبا كثيرة ، وأخذ عن أبي بكر الخوارزمي » . وقال ابن بسّام صاحب كتاب الذخيرة في حقه : « كان في وقته راعي تلعات العلم ، وجامع أشتات النثر والنظم ، ورأس المؤلّفين في زمانه ، وإمام المصنّفين بحكم قرانه ، وسار ذكره سير المثل ، وضربت إليه آباط الإبل ، وطلعت دواوينه في المشارق والمغارب ، طلوع النجم في الغياهب ، تآليفه أشهر مواضع وأبهر مطالع ، وأكثر راو لها وجامع ، من أن يستوفيها حدّ أو وصف ، أو يوفي حقوقها نظم أو رصف » . وقال عنه الباخرزي صاحب دمية القصر : « هو جاحظ نيسابور ، وزبدة الأحقاب والدهور ، لم تر العيون مثله ، ولا أنكرت الأعيان فضله ، وكيف تنكر وهو المزن يحمد بكلّ لسان ، أو كيف يستر وهو الشمس لا تخفى بكلّ مكان » . أما كتابه « يتيمة الدهر » الذي قمنا بشرحه وضبط نصوصه قدر الامكان فإنه أكثر مؤلفاته شهرة وتداولا ، كونه يقدّم فيه ترجمة وافية لكثير من الشعراء المعاصرين له أو السابقين لزمنه بقليل ، وهذه الترجمة تختلف عمّا عرفناه في كتب الطبقات ، لأنه يجمع فيها كلّ جماعة من الشعراء حسب بلدهم أو إقليمهم أو البلاط الذي سلكهم في عداده ، ومثال ذلك ما فعله بشعراء الشام ، وشعراء مصر من حيث الأقاليم ، وبشعراء دولة بني حمدان وبلاط سيف الدولة في حلب ، وبني بويه في بغداد وأصبهان . . وقد بدأت فكرة الكتاب لديه في سنّ مبكّرة إذ بدأه سنة 384 هجرية ، ثم رجع إليه بعد فترة من الزمن بعد أن اكتمل عوده وقوي مراسه ، ليتّم في كهولته ما